عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

86

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي

بَعْدِي أُمَرَاءُ ؛ فَمَنْ دَخَلَ عَلَيْهِمْ فَصَدَّقَهُمْ بِكَذِبِهِمْ وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ وَلَيْسَ بِوَارِدٍ عَلَيَّ الحَوْضَ ، وَمَنْ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُعِنْهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَلَمْ يُصَدِّقْهُمْ بِكَذِبِهِمْ فَهُوَ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ ، وَهُوَ وَارِدٌ عَلَيَّ الحَوْضَ " . وخرج الإمامُ أحمدُ ( 1 ) معنى هذا الحديث من حديث حذيفةَ ، وابن عُمرَ ، وخبَّابِ بنِ الأرتِّ ، وأبي سعيد الخُدريِّ ، والنُّعمانِ بنِ بشير - رضي الله عنهم . وقد كان كثير من السلفِ ينهونَ عن الدخولِ عَلَى الملوكِ لمن أراد أمرهُم بالمعروفِ ونَهيهُم عن المنكر أيضاً . ومِمَّن نهى عن ذلك : عُمرُ بنُ عبدِ العزيزِ وابنُ المباركِ والثَّوريُّ وغيرُهم من الأئمةِ . وقال ابنُ المبُاركِ : ليسَ الأَمرُ الناهِي عندَنا من دَخلَ عليهم فأمرهُم ونهاهُم ، إِنَّمَا الآمرُ الناهي من اعتزلهُم . وسببُ هذا ما يُخشَى من فتنةِ الدخولِ عليهم ؛ فإنَّ النَفسَ قد تُخيلُ للإنسانِ إذا كانَ بعيدًا عنهُم أنهُ يأمرُهم وينهاهُم ويغلّظُ عليهم ، فَإِذَا شاهدهُم قريبًا مالتِ النَّفسُ إليهم ؛ لأنَّ محبةَ الشَّرفِ كامنة في النفس ، ( والنفسُ تحُسِّنُ له ذلك و ) ( * ) مداهنتهم وملاطفتهم ، وربما مالَ إليهم وأحبَّهُم ، ولا سيما إِنَّ لاطفُوهُ وأكرموهُ وقبل ذلك منهم ، وقد جرى ذلك ( لابن طاوسٍ ) ( * * ) مع بعض الأُمراءِ بحضرةِ أبيهِ طَاوسٍ فوبَّخَهُ طاوسٌ عَلَى فعلهِ ذلكَ . وكتبَ سُفيانُ الثوريُّ إِلَى عبَّادِ بن عَبَّادٍ ، وكانَ في كتابهِ : " إِيَّاكَ وَالأُمراءَ أن تدنُو منهم أو تُخالطهم في شيء من الأشياءِ ، وإياكَ أن تُخدَعَ ويقالُ لك : لتشفعَ وتدرأَ عن مظلومٍ أو تردَّ مظلمةً ؛ فإن ذلك خديعةُ

--> ( 1 ) في " المسند " ( 2 / 95 ) ، ( 4 / 23 ، 92 ) ، ( 4 / 267 - 268 ) ، ( 5 / 111 ، 384 ) ، ( 6 / 395 ) . ( * ) لمحبة النفس له ، ولذلك : " نسخة " . ( * * ) لعبد الله بن طاوس : " نسخة " .